
ليس أجدى لإدراك منزلة المسجد في الإسلام ومحله من حياة المسلمين؛ من النظر في أحوال المسلمين أوائل هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وما قصده عند دخوله المدينة من اختيار مكان لبناء المسجد وتقديم له على غيره، ثم ما كان يعقد فيه بعد تشييده من جمع لكلمة المسلمين وتوحيد لصفهم، وتفقد لأحوالهم، ثم ما كان فيه من عقد لحلق العلم يقصدها الراغب، ويستفيد منها الجاهل، ويتبصر منها المخطئ.
ثم ما تتابع عليه خلف المسلمين من تعظيم لشأن المسجد وجعله مركزًا للانطلاق في العبادة والعلم ونظر شؤون المسلمين.
ولمَّا كان المسجد بهذه المنزلة رفع الإسلام من شأنه وجلل من قدره فحدَّا حدوداً ورسم معالم لمن يؤم المسلمين، وليس أدل على إجلال المسجد من ترتيبهم لمن يتقدم لإمامة الناس وإقامة القرعة عن التشاح، ثم مع تتابع الأزمان واختلاف الأحوال واستقلال كل أمر كان يقام بالمسجد بجهة مخصصة، ثم غمرة الحياة المادية، وضعف أسباب التكسب، وقلة وجود من يتقرَّب إلى الله بإمامة المسجد وإقامة الصلاة، وانشغال جل من يتطوع بالإمامة بتحصيل أسباب قوته، أضحت هناك حاجة لترغيب الناس في الإمامة وكفايتهم في أرزاقهم، فقصد الإمامة بعض من لا يدرك مكانة المسجد ويجهل مقاصده؛ فعطِّل ما كان حيًّا من جمع لجماعة المسجد وتفقد لأحوالهم وتبصير لهم وإصلاح شأنهم؛ فاندثرت مقاصد المسجد وأمست أطلالًا ليس لها من باكٍ.
كان عند الدكتور فؤاد مرداد -وفقه الله- همًّا لإحياء دور المسجد وإظهار ما اندثر من مقاصده فعزم على إنشاء مرجعاً تكامليًا؛ يبصِّر الإمام دوره ويرسم له جديلة توصله إلى تفعيل دور المسجد، وكان هناك محاولات لعلاج هذه المشكلة بطرائق شتى، ولكون أغلب الأدلة المبثوثة إثرائية ركز الدكتور على جعل هذا الدليل معياريًا يفعل كل الجوانب؛ فتبنت هذه الفكرة مؤسسة العجيمي الخيرية، -وهي: مؤسسة مانحة نوعية، تهتم ببناء وتطوير القدرات المؤسسية والبشرية للجهات والمشروعات غير الربحية، وتعتني بالقرآن الكريم وأهله ومؤسساته تعلماً وتفسيراً وتدبراً وترجمةً، والاهتمام بخدمة وعمارة مساجد المؤسسين حسياً ومعنوياً-، كونه يتوافق مع شرط المانح ولما للمسجد من دور فدعمته، فكون الدكتور فريقه وشرع في بناء الدليل الذي كان مبناه على ثمانية محددات معيارية، وكانت مدة البناء سنتين، وأول هذه المعايير المعيار الهندسي: وهو يهتم بالأبعاد الإنشائية والبنائية للمسجد وما يتبع ذلك من وجود مساحات كافية للمصلين والسلامة الإنشائية، وثانيها: المعيار الاجتماعي: وهو دور الجامع أو المسجد الاجتماعي، فيكون للجامع أثرًا بارزًا على جماعة الحي ورواده من توثيق للصلة بينهم، وتفقد حوائجهم، وبث المبادرات الاجتماعية، ثالثها: المعيار الدعوي: وهو تبليغ العلم وتبصير الناس أمور دينهم من خلال؛ فتح الحلق القرآنية، والدروس العلمية الدائمة والموسمية حتى يأتي الجامع على تحقيق رسالة المسجد في الإسلام، رابعها: معيار تكامل المرافق: ويقصد به أن تكون مرافق المسجد الخدمية تساهم في تحقيق رسالته وأهدافه ومناشطه، كأن يكون هناك محلا خاصة حتى يقام فيه دار تحفيظ نسائية، خامسها: معيار الصيانة والسلامة: وهو وجود سياسات وآليات متبعة لصيانة الجامع دائمًا ووجود معايير للسلامة، مثل وجود كاميرات، سادسها: معيار الاستدامة: وهو أن يكون هناك خطط وطرائق متبعة للبرامج والأهداف التي يراد تحقيقها من الجامع والمساهمة في إيجاد تحقيق عنصر بشري ودعم مالي دائم، سابعها: المعيار الإعلامي: وهو تفعيل مدى تفعيل الجامع للجانب الإعلامي من خلال الاستفادة من التقنية ووسائل التواصل، ثامنها: المعيار الوظيفي: وهو خاص بالإمام، ويعني التزام الإمام والمؤذن بالمهام والواجبات المناطة بهم وتحقيق رسالة المسجد.
فاستقر الدكتور وفريقه على هذه المعايير وطبعت مؤسسة العجيمي الدليل ووزع على المستفيدين من الأئمة وغيرهم ليفعِّلوا مساجدهم، ثم عقدت المؤسسة المانحة بعد زمن عدة دورات تعريفية للأئمة في الشرقية حتى يتقون تطبيقها يقدمها لهم صاحب الدليل؛ فلم تجد هذه الطريقة التي تعرِّف بالدليل بعد ذلك رأت المؤسسة أن هذا الأمر مع أئمة المساجد لا يستمر؛ لضعف الإقبال.
ثم قررت المؤسسة أن تطبق هذا الدليل كونها مؤسسة مانحة، فأرادت أن تطبق هذا الدليل على مساجدها أولًا تحقيقاً لرغبة المانح، ثم ليكون ذلك نموذجًا تطبيقيًّا عملياً للدليل حتى إذا جاء من يريد تطبيق هذا الدليل أو من اطلع عليه ورأى أنه مبالغ فيه أو ليس ممكنًا تحقيقه أو تطبيقه أعطي هذا التطبيق، فطبق على ثلاثة مساجد فنجح تطبيقه في جامع الشيخ سالم العجيمي وجامع الشيخ صالح العجيمي أما الجامع الثالث فهو جامع حبيب النجار، لم ينجح تطبيقه؛ لعدم تفاعل إمام الجامع.
ثم رأت المؤسسة المانحة تعميم الدليل، حتى يستفاد منه في تفعيل المسجد وترسيخ رسالة كل مسجد في نفس كل مصل، ولأن فكرة الدليل المطبوع قليلة الجدوى ولا يمكن القياس من خلالها، ولما وجدوه من صعوبة في متابعة وتطبيق الدليل بالطريقة التقليدية؛ صنعت المؤسسة منصة إلكترونية رقمية لقياس كل معيار بدقة وسهولة وتعميم الدليل لمساحات أوسع.
فدشَّنت المؤسسة المنصة في جمادى الثاني من عام 1444 آملة أن يحقق الأثر الذي بني الدليل من أجله.